يسوع اعترض على تقاليد الأقدمين من كتبة و فرّيسيين . وأسّس هو بنفسه تقاليد الكنيسة وتبعه الرسل . يسوع لم يكتب شيئا بل كان تبشيره شفهيًّا. بدأ الرسل بتبشير شفهيّ وكان الأساس للأناجيل ولسائر كتيّبات " العهد الجديد ".
أكّد الرسل – ولا سيما يوحنا الحبيب – أنهم لم يكتبوا كل ما قاله يسوع وفعل . وطلبوا من المؤمنين أن يتمسّكوا بالتقاليد التي أخذوها عنهم (أي عن الرسل ) سواء أكانت مكتوبة أم شفهية.
أشاد آباء الكنيسة بالتقليد المقدس وكان ملجأهم لمقاومة الهرطقات التي كانت تسيء تفسير الكتاب المقدس . وأوضح المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني أن التقليد والكتاب المقدس متلازمان بحيث لا وجود للواحد من غير الآخر . وتقاليد الكنيسة إمّا عريقة من عهد الرسل والتلاميذ الأولين ، أو حديثة نسبيّاً ولكنّها لا تناقض الكتب المقدسة.
من واقع الحياة :
في الكنيسة تقاليد وممارسات ( مثل الانقطاع عن اللحوم أيام الجمعة في زمن الصوم الأربعيني الكبير ، الاعتقاد ببتولية العذراء مريم الدائمة ، تكريس البيوت ، صلاة الفرض ، المسبحة الورديّة ) . يتساءل المرء : أهي موجودة في الكتاب المقدس ؟ أليست مخالفة له ؟
من جهة أخرى، يبدو لأوّل نظرة أن الكنيسة الكاثوليكية والأرثوذكسية تهتمّ بالطقوس والتقاليد أكثر من عنايتها بنشر الكتاب المقدّس وتفسيره.
قد تجد "رجال دين" وراهبات يُتقنون الطقوس والتقاليد والقوانين الكنسيّة ولا يعرفون الكثير عن الكتب المقدسة !
ما الموقف الصحيح في هذا الصدد ؟ أنتمسك بالطقوس والتقاليد ونهمل الكتاب ، أم نتمسك بالكتاب ونترك التقاليد ؟ أم نحافظ على العنصرين معاً ؟ وبأية نسبة ؟ وبأية طريقة ؟
انّ اللاهوتيّ الكبير ، الأب إيف كونغار Congar ، عالج موضوع التقليد الرسولي ّ ( في معجم الديانات ، ص 1714 وتابع ) ونقل اعتراضات السيّد المسيح على " التقاليد " (متّى 1:15 – 9 ، مرقس 1:7 – 13) موضّحاً أنّه له المجد انتقد تمسّك الكتبة والفريسيين بسنّة الناس وإهمالهم لوصيّة الله . ويؤكّد كونغار أنّ الكنيسة تلميذة المسيح وأنّه لا يجوز تأويل انتقادات يسوع كأنّها مُوجّهه الى كنيسته في هذا المجال . فالتقاليد الرسوليّة – المأخوذة مباشرة أو بشكل غير مباشر عن يسوع المسيح نفسه ، ونقلاً عن والدته الطهور والرسل والتلاميذ الذين رافقوه مدّة لا تقل عن ثلاث سنوات ، هي تقاليد سيّدية رسوليّة مقدّسة لا علاقة لها بسنن الكتبة والفريسيين ، بحيث انّه لا يجوز أخذ النصوص الإنجيليّة التي تنتقد الفريسيين وتطبيقها على تقاليد الكنيسة.
ويستشهد الأب كونغار بالقديس ايريناوس ، الذي كتب أنّ التقليد هو "عرض الكتب المقدسة" أي تقديم لها واظهار لمحتوياتها : إنّ التقليد تفسير للكتاب وهو تفسير الكنيسة استناداً إلى أصلها الرسولي الواضح في الخلافة الأسقفيّة . ويؤكّد كونغار وجود تقاليد غير مكتوبة لها. ويشرح كونغار ، أن التقليد يتألف من :
- طريقة قراءة أو فهم للكتاب المقدس.
- ومُعطيات مُتناقلة موروثة في العبادة.
- وممارسات وتنظيمات مثل الصوم قبل عيد الفصح المجيد.
ويثبت كونغار " سلطة التقليد الرسولي " باستناد آباء الكنيسة والمجامع إليه ، مثلاً مجمع أفسس سنة 431 . وفي المجمع النيقاويّ الثاني عام 787 تمّ تأييد لجهاد القديس يوحنا الدمشقي في الدفاع عن الأيقونات المقدّسة انطلاقا من " التقليد المقدّس " . وفعلاً ، في المجمع التريدنتينيّ ، في الثامن من نيسان ابريل 1546 ، في القرار حول " الكتابات المُلهَمَة القانونيّة " يُشار إلى " التقاليد الآتية من الرسل " والتي تُسهم ، مع التفسير الصحيح للكتاب المقدس ، بمحافظة الكنيسة على "طهارة الإنجيل" .
و يلخّص كونغار دور آباء الكنيسة – من القرن الأوّل إلى الثامن – بأنّهم لم يكونوا "المؤلفين أي المخترعين للتقاليد" بل كانوا "شهود التقليد" الذي يرتقي إلى عهد السيّد المسيح والرسل والتلاميذ الأوّلين .
بشّر يسوع شفهياً وكذلك الرسل قبل كتابة الأناجيل :
لم يكتب يسوع شيئا بل بشّر شفهياً . وعندما كان يقول " توبوا وآمنوا بالإنجيل" ، "أعلنوا الإنجيل (البشرى) إلى الخلق أجمعين" ما قصد كتب الإنجيل الأربعة المكتوبة بل بشرى الخلاص الشفهية . وما حوت تلك الكتب الأربعة كلّ ما قاله يسوع وفعل ( يوحنّا 20 : 30 ، و21 : 25 ) .
ومن التقاليد الشفهيّة الرسوليّة نشأت الأناجيل التي استخدمت الشهادات الشفهيّة والتقاليد من شفهيّة ومكتوبة . ويُلمّح القديس لوقا في مقدّمة إنجيله إلى تلك المصادر النابعة عن الذين كانوا " شهوداً للكلمة ثم عاملين بها " (ولم يقل "كاتبين لها" ) ، ( راجع لوقا 1 : 1 - 4 ).
تعليم المجمع الفاتيكاني الثاني حول التقليد الرسولي ، في الدستور " في الوحي الإلهي " :
في رقم (8) ورد : " كان ضروريّاً الحفاظ على الكرازة الرسوليّة (التي تعبّر عنها بنوع خاصّ الكتب الموحاة ) بنقلها نقلاً مستمرّاً متّصلاً إلى نهاية الأزمنة ... كلّ ما سّلمه الرسل لخلفائهم يتضمّن كل ما يلزم لهداية شعب الله إلى قداسة الحياة والنموّ في الإيمان. وبذلك تُخلّد الكنيسة في تعليمها وحياتها وعبادتها كلّ ما هي عليه وكلّ ما تؤمن به وتنقله إلى جميع الأجيال " .