تأتي هذه السطور ، من هذا المنبر الاغرّ ، بعد جولة قصيرة في "الغرب" تراكمت بعدها الاسئلة من المؤمنين في الشرق على مكاتبنا ومواقعنا الكنسية وعناويننا الالكترونية. وشهد الداعي المكايد والدسائس على المسيحية وسامي الاخلاق كما يأمر بها الانجيل الطاهر بضيائه وهداه. يحزن المرء لاصرار قوم – ولعلّهم في الواقع اقلية – يريدون أن يزيلوا عن اوروبا جذورها المسيحية (معترفين فقط بأصولها الحضارية الاخرى الاغريقية الرومانية). ويأتي الهجوم على الرموز المسيحية – والاسلامية أيضا – من باب الاستهتار والمجون. ولا يتردد نفر في تزوير التاريخ بذريعة "العلمانية" أو "العولمة". وبدل الاقرار مثلنا معشر العرب المؤمنين ، من مسيحيين ومسلمين ، بالحساب الميلادي أو "العهد المسيحي" ، يستخدم أهل الالحاد ومشايعوهم من البدع الغربية ولا سيما الامريكية عبارات مثل " سنة كذا قبل الحساب المألوف" (بدل "قبل الميلاد") و"سنة كذا من الحساب المألوف" (بدل "ميلادية")! ويتذرّع قوم بمراعاة شعور "غير المسيحيين" عندما يحفون كل ذكر لميلاد السيد المسيح في المدارس ، مع انه مذور في كتبنا التي نقدّسها من مسيحيين ومسلمين!
التضحيات البغيضة!
رحمك الله ، ايها الاب لويس خليفة اللبناني الماروني الاصيل (مؤسس مجلة "بيبليا" عن الكتاب المقدس).
كان يحلو لهذا الكاهن الفاضل – طيّب الله ثراه – أن يردد : " الغرب يضحّي بالدّين على مذبح الانسانية ، والشرق يضحّي بالانسان في سبيل العقيدة". ولكن الديانة الحقيقية عبادة لله وحسن معاملة للانسان ! ممنوعة شعائر دينية معيّنة "احتراما" للنظام أو "للهدوء" أو "لمشاعر الاخرين" ....
اسئلة من شرقنا العزيز
أوصى أمير الرسل بطرس أن نجيب "بكل وداعة ووقار عن الرجاء الذي يعمر قلوبنا " ( 1 بطرس 3 : 15) وتعوّدنا نحن العرب على "الجدال بالتي هي أحسن"، بحيث يجب أن نحافظ دوما على مستوانا الحضاري الرفيع في الحوار. وهذه بعض مواضيع طٌرحت مؤخّرا تستأهل ايضاحا للافكار:
الغلط والكذب والعصمة
- لا يجوز الخلط بين الغلط والكذب! اذا قال أحد البابوات أو البطاركة أن الحمام لا يطر ليلا ، فهذا رأي في موضوع لا علاقة له بالديانة أو الاخلاق . ولا يجوز قذفه بالكذب بل يمكن دحض قوله كغلط. وهنالك فرق بين الغلط في الرأي أو التعليم والخطأ في التصرف. ولا تعتقد الكنيسة الكاثوليكية ولا بأي شكل من الاشكال أن الحبر الاعظم الروماني معصوم من الخطيئة بما أنه انسان ، لا ملَك (بقتح الالف) كما ليس شيطانا. والعصمة البابوية هي فقط في الاعلانات الرسمية باسم السيد المسيح والكتاب المقدس والتقليد الشريف بالاتفاق مع الاساقفة الاخرين ، وفقط في شؤون الايمان والاخلاق.
تشبيه السيّد المسيح بالحَمَل أو الخروف
- لا يختلف عاقلان يتمتعان بسلامة النية أنّ في التشبيه لا تقليلا من قدر السيد المسيح السامي بل اشارة الى براءته ونصاعته من جهة ، وتلميح الى تضحيته من جهة أخرى. ولا شكّ في أن بعض رؤساء العبرانيين من رؤساء كهنة ورؤساء عشائر وفريسين وكتبة طالبوا بقتله صلبا. ويتشدق التلمود (سنهدرين 43 أ ) بأن "يسو(ع) عُلّق عشيّة الفصح لاغوائه اسرايل بالسحر"، فبي اطار افتخار باللقضاء على الناصري العظيم بتشويه رسالته ومعجزاته والايات البينات التي جرت على يديه ونسبها الى الشعوذة! وتمّت في السيد المسيح نبوّة أشعيا 53 :"كحَمَل سيق الى الذبح لم يفتح فاه"!
- وتعلّم المسيحية ، انطلاقا من الانجيل الطاهر – الذي يوافقه ايضا العقل السليم والتفكيرالقويم – أن ما ألمّ بالسيد المسيح من عناء وآلام وأحوال بشرية انّما تمّت في الناسوت أي الطبيعة الانسانية في المسيح التي لا تنكرها الكنيسة، بخلاف بعض المبدعين في غابر الايام حيث توهّم قوم منهم ومنهم الذوقيتيون 0أي التشبيهيون) ونفر من الغنوصيين (أي أهل "المعرفة" المنشقة) أن ليسوع ظاهر جسد لا جسدا حقيقيا.
العبودية في المسيحية !
ربّما وُجدت في الماضي والحضور عبودية بأشكال متعددة في العالم المسيحي ولكن السيد المسيح أعلن أن كل الناس اخوة (عن متّى 23) . وكتب رسول الامم الاناء المختار الى السيد فيلمون عن عبده اونيزيموس – وهو ابن روحاني للرسول – أن اونيزيموس أخ له في الايمان. وكان القديس بولس قد أعلن الى أهل غلاطية أن كل الذين اعتمدوا بالمسيح لبسوا المسيح وأصبحوا فيه واحدا بحيث انه ما عاد بعد اليوم ذكر وأنثى (اذ كان الختان يفرّق بينهما) ولا عبري ولا يوناني ولا اسكوثي (ولعلّ اسكوثي آتية من مدينة "سكيثوبوليس" أي بيسان) ولا عبد ولا حر. وفعلا ، لا تميّز المقدسات المسيحية ولا الشرائع – منذ المعمودية عبورا بالزواج ، من المهد الى اللحد – بين العبد والحر.
والسيد المسيح قال انه لا يدعو تلاميذه عبيدا بل اصدقاء وأحباء (عن يوحنا 15 : 15). واذا كان يطيب لبطرس أو لبولس أن يدعو كل منهما نفسه "عبد المسيح يسوع" فكان ذلك طوعا لا كرها ، من باب المحبة ، لا بحكم محبة العبودية بل بعبودية المحبة الطوعية :"بفضل المحبة اخدموا (استعبدوا انفسكم) بعضكم لبعض" (غلاطية 5 : 13).
خاتمة
عندما يسمع المرء من بعض الجهات الدنيوية السياسية انها لا تعترف بأي خطأ أو تقصير وانها "لن تعتذر" ولن تعوّض الخسائر" ، يرى الفرق الشاسع بين مواقف الفاتيكان الذي يسارع الى الاقرار بالزلات ويقوم بالتعويض عن التجاوزات ، قدر الامكان.
الاعتراف بدء الاصلاح. وقد كنب يعقوب الرسول :"اعترفوا بعضكم لبعض خطاياكم لكي تنالوا الشفاء"!