وُلد السيد المسيح حنانا وحياة وخلاصا ، في "بيت لحم افراثا" أي المثمرة، متمما النبوات : جذعا من جذر يسّى والد داود الملك ،في المدينة الملكية بيت لحمو المتحولة من معبد لاله حرب كنعاني محلي الى مولد "رئيس السلام" الذي "سيكون سلاما" (عن ميخا 5 :1 – 5 ، أشعيا 9 و 11).. وطفل البتول هو تجسد كلمة الله طبعا (عن يوحنا 1 : 1 و 14) وابن مريم طوعا (عن لوقا 2 : 1 وتابع) ، وابن يوسف العفيف شرعا (عن متّى1 : 17 وتابع). ولد مع يسوع ،"ابن البشر"، آدم الجديد " ، الانسان الجديد "على صورة الله في البر وقداسة الحق". وكانت قد وُلدت مع السيدة مريم العذراء الناصرية الجليلية الجليلة حواء الجديدة ، بخلاف حواء الغرور والاستكبار والاغراء الشبيهة بالحية. ان البتول كاملة القداسة هي "المرأة" التي سيسحق نسلها "رأس الافعى" (عن تكوين 3 : 15). ومنذ أكثر من عشرين قرنا من الزمان تغيّر وجه التاريخ والانسان ، فتحضّرت الشعوب البربرية واستنارت الامم "القابعة في الظلمات وظلال الموت" .
الميلاد وعيد الميلاد : اولا في الشرق ، بالذات في فلسطين
لا يتوهمن المرء أن "الكريسماس" عيد للاعاجم أساسا وفرحة لأطفال الغرب بل العيد عيد أطفال بيت لحم أوّلا ورعاة بيت ساحور والناصرة وحول بحيرة طبريا والمدن العشر ولا سيما فيلادلفيا اي عمان وجراسا أي جرش ودمشق وبيلا شرقي الاردن واسقيثوبوليس اي بيسان وغيرها ، وقبلة أنظار علماء المشرق أي بلادنا المشهورة باللبان والذهب والمرّ.
تروم هذه السطور أن تحتفل بالميلاد السيدي البهي مع كاتبين شرقيين عربيين اصيلين ، في حين ان "هرادسة" جددا يحاولون طمس معالم ايماننا بالمسيح وانتمائنا للعروبة وتشتيتنا الى غير رجعة نحو الرياح الاربع بلا "عودة" ولا رجاء!
مع الشاعر الغزي سليمان (الذي عاش بين القرنين العاشر الحادي عشر الميلاديين)
اليوم أكثر من أي وقت مضى، يجب أن يلوح ضياء لاطفال غزة وسائر الاطفال المحرومين المظلومين. وعن مولد السيد المسيح يكتب شاعرنا الغزي (القصيدة الرابعة عشرة):
"وقد تنبأ ميخا في ولادته
اذ قال : يا بيت لحم ، لست صاغرة
فمَن أتانا من العذرا التي وَلدت
وكان في أسر اببليس اللعين ، وقد
وصار بالاثم في قعر الجحيم ، وفي
أقامه الله في ايسوع سيّدنا
من بيت لحم بقول منه قد صدقا
ومنك أتي رئيس يملك الافقا
الاّ يسوع الذي انسانه عتقا ؟
بلاه بالموت اذ اخطأ وانسحقا
أرض الهلاك عليه القبر انطبقا
وردّ في جسمه بعد البلى رمقا".
مع المفكّر الروحاني عبد يشوع الصّوباوي (المتوفّى سنة 1318)
هو بن بريخا المعروف بالصوباوي نسبة الى صوبا أي نصيبين التي رعاها اسقفا بعد أن كان مطران سنجار وبلاد العرب سنة 1285 الى أن عيّنه البطريرك يبولوها الثالث رئيس اسقفة نصيبين وارمينا سنة 1290م له مؤلفات ثمينة جعلته من أبرز المؤلفين السريان . كان عالما وشاعر زمانه. حذا في شعره حذو الشعراء العرب في الجناس والتوشيح وغير ذلك من فنون البديع.وأشهر كتبه في العربية نقله للانجيل الطاهر بتصرف وبشكل شعري.
ينقل الينا هنا بلسان عربي أصيل ما ورد في البشارة التي الهمها الله وأوحى بها الى "الطبيب الحبيب لوقا" عن مولد السيد المسيح المجيد:
"ولمّا كان في تلك الايام ، برز الامر من أوغسطوس قيصر عالي الاحكام ، ليُكتَب جميع شعب علمه باحصاء تام. وهذه الكتابة الاولى كانت بالهام في ولاية قيرينوس على الشام - وكان يصير كل انسان الى بلدته ليُكتَب بها بالزام. فصعد يوسف ايضا من ناصرة مدينة الجليل ، الى هود لتذكير عهد وذمام ، الى مدينة داؤود المدعوة بيت لحم بلسان العوام ، لانه كان من أسرة داؤود ومن آله الكرام ، ومعه مريم مملكته (اي خطيبته) ليُكتَب هناك ، فأقام. وعند كونها في المقام ، كملت للولادة ايامها وبلغت التمام. فولدت ابنها لعالم الدوام ولفّته في قُمُط وأضجعته في معلف البهام (اي المذود) لانه لم يكن لهما مكان ، حيث حلاّ ، من الازدحام".
خاتمة : من معاني العيد
الطفل يسوع يحمل في قلبه جميع الاطفال ولا سيّما الفقراء والمستضعفين والذين حُرموا المأوى والمنزل. ولا يخفى ما تعانيه العديد من العائلات التي طُردت من بيوتها أو هُدمت منازلها "ولم يكن لها موضع " في المضافة و "تحت الشمس". ولكن السيد المسيح هو "شمس البرّ" اي القداسة الذي يذكره ملاخي النبي. والمعجزة التي يقدر السيد المسيح أن يقوم بها كل يوم تتم عن طريق النعمة وعن طريق اتباع الناس لتعاليمه بايواء اللاجئين والنازحين والمسلوخين عن جذورهم والمطرودين من منازلهم ومساعدة المعوزين. ولا ينسى المؤمن فضل السيدة العذراء ، منها السلام ، وتواضعها وبراءتها ولمسة حنوّها ليس فقط كوالدة للسيد المسيح بل كأم روحانية للتلميذ الحبيب يوحنا (عن يو 19 : 25 وتابع)،للبشر أجمعين لاهتمامها بهمومهم (عن يوحنا 2 : 1 – 11). من يقبلها أمّا يسعد ، كما يحتفظ الرافضون لامومتها بحريتهم وبجهلهم لقدرها ووجاهتها لدى ابنها المسيح!
لنعيّدن مع الصعوبات ، بل في هذا المولد المجيد أيضا مرارة نختبرها في حياتنا : مرارة بسبب انانية القوم الذين رفضوا استقبال البتول الحامل وحارسها العفيف والجنين الموشك على الولادة ، قساوة هيرودس الكبير الكبيرة وتجاهل رؤساء العبرانيين لوليد بيت لحم مع علمهم بالنبوات عنه وعنها! لذا يبقى عيدنا ساميا في مقامه واقعيا في حوادثه ، لا "يطير" فوق ارض الناس ولا يستعلي عى آلام البشر. وأمير السلام – مع كل تجار الاسلحة ومحبي الحروب – يدعو من بيت لحم – كما أشار قداسة البابا – الى السلام والوئام ، مع جولة الباطل وصولة القاتل ! ومع كفر الوثنيين وعناد العبرانيين تصدح ملائكة السماء والارض وسائر الاتقياء الاولياء "مجدا لله في الاعالي" وتغطي وداعة الرعاة استعلاء "وجهاء" اورشالم وسخاء علماء الشرق بخل يهوذا وماديته! فلنولدن أناسا جددا مع المسيح الوليد! وكلّ عام وأنتم بخير، في هذا "الفرح العظيم الذي يعمّ الشعب كلّه"!