الموقع الوحيد للأب د. بيتر مدروس
الصفحة الرئيسية
الإيمان
» قانون الإيمان
المقالات و الكتب و الأخبار
»  » 
مواقع إلكترونية
الصور
إتصل بنا
 
رأس السنة بين الدين والدنيا

"الايمان والحياة"

(بقلم الاب د. بيتر مدروس)

يبدأ عام جديد بعد أيّام معدودة . انها فرصة لايضاح الافكار وتصحيح المعلومات ، من غير ادّعاء. ولا بدّ من التمييز بين السنة المدنية – وهي أيضا ميلادية بالدرجة الاولى – والسنة الطقسية أي الكنسية ، كما سيتبيّن لاحقا في هذه المقالة. ويحلو لنا – معشر رعاة النفوس حاملي كهنوت السيد المسيح – أن نشدّ على أيادي المفكّرين الافاضل ، من اكليروس وعلمانيين ، الذين يحثّون الناس على المعروف واجتناب المنكر في مثل هذه الاعياد ، والتقليل من المصاريف ولا سيما غير الضرورية، والتفكير في الفقراء والمعوزين (ويبدو أن في العالم مليار جائع!) . فلا يتذرعن أحد بالاعياد الميلادية ولا برأس السنة للبذخ والاسراف والافراط – وهي أنواع من الكفر ، نعم "الكفر" بالمعنى الكنعاني الاصلي اي "نكران الجميل" نجو العزة الالهية والعطايا الربانية! كما انها أنانية بغيضة لا تأبه بمعاناة الاخ الذي هو "الاخر"! فلا يحقّ لنا أن نضحك واخوتنا يبكون ، ولا أن نتخم واخوتنا جائعون. لا للسكر والنهم واخوتنا في المخيمات وتحت الخيام ينوحون على منازل هُدمت أو تم الاستيلاء عليها بين ليلة وضحاها أو في غضون ساعات قليلة.

رأس السنة العبرية في الكتاب المقدس والتواتر (في الارامية "مشلمنوتا")

لا يجد المرء في التوراة عبارة "روش هاشاناه" بل "يوم التذكار" أو "يوم تذكار الهتاف" (يوم زكرون هاتروعاه) والهتاف بصوت البوق (عن سفر الاحبار أو اللاويين 23 : 24- 25). ويقع رأس السنة العبرية في أول يومين من شهر "تشري" (ولعل الاسم يأتي من بلاد ما بين النهرين) ويوافق ايلول تشرين الاول – سبتمبر اكتوبر من التقويم الروماني. وتنتهي احتفالات رأس السنة بآخر عاشر يوم هو "يوم الغفران". وتعوّد العبرانيون في رأس السنة أن يأكلوا وجبات شهية ولا سيّما التفاح مع العسل ، اشارة الى ما في الحياة من عذوبة. والاعشاب المرّة التي كانوا يأكلونها في عيد الفصح كانت تشير الى مرارة معاناتهم وهم يرزحون تحت نير العبودية في مصر الفرعونية. وتخطر على البال كلمات أحد الفلاسفة :"لكل امريء في الحياة كأس مرارة يشربها الصالحون. أمّا الطالحون فانّهم يسقونها غيرهم!"

أمّا البوق ("شوفار") فايذان بضرورة التوبة والندامة عن الخطايا والسيئات.

رأس السنة الرومانية ثم الميلادية

يظهر أن اول احتفالات موثّقة برأس السنة تمّت في بلاد الرافدين قبل نحو ألفي سنة. أمّا عند قدماء المصريين والفرس والفينيقيين فكان رأس السنة يقع في الاعتدال الربيعي ، وسط شهر آذار ، في حين احتفل به الاغريق في الشتاء.

وفي روما القديمة الوثنية كانت السنة تُستهل في الاول من آذار مارس وكانت مكوّنة من عشرة اشهر. وبقي أثر لهذا الواقع حتى ايامنا ، فالشهر التاسع أيلول من العام هو "سبتمبر" أي السابع ، والشهر العاشر تشرين الاول هو "اكتوبر" اي الثامن ، والشهر الحادي عشر تشرين الثاني هو "نوفمبر" اي التاسع ، والشهر الثاني عشر كانون الاول "ديسمبر" اي العاشر. وأراد ثاني ملوك روما ، نوما بومبيليوس ، أن تتكون السنة من اثنتي عشرة شهرا وزاد "يانواريوس" أي كانون الثاني و"فبرايريوس" أي شباط، ولكن الشعب لم يخضع تماما لتوجيهاته. وسنة 46 قبل الحساب الميلادي وضع يوليوس قيصر يوم الاول من يانوواريوس (كانون الثاني) رأسا للسنة. ونسب الشهر الى المعبود "يانوس" ذي الوجهين ، احدهما نحو الامام والاخر نحو الخلف. وأحسبها اشارة الى الزمن أو الى ضرورة النظر الى الماضي والتطلع الى المستقبل.

المواقف المسيحية من السنة الرومانية اليوليانية

قام البابا أفرقي الاصل ملقياذس – الذي ارتقى السدة البطرسية الرومانية من سنة 311 الى 314 – بكتابة أول تقويم مسيحي معروف حتى عصرنا هذا. وكان للمسيحيين تحفّظ كبير على السنة الرومانية ، وقد نبذوا كل معبودات الوثنية ورفضوا عبادة الامبراطور .جذب عليهم هذا الموقف غضب الاباطرة فبطشوا بالمسيحيين الذين راح منهم الالاف شهداء ايمانهم وعلى رأسهم الاحبار الرومانيون. وأصرّ البابا يوحنا الاول (المتوفى سنة 526 ) على تغيير تأريخ البشرية الذي كان ينطلق من تأسيس مدينة روما . وطلب من الراهب العبقري ديونيزيوس الصغير أن يضع سنة ميلاد السيد المسيح بداية للتاريخ. ويبدو أن الراهب المذكور أتم عمله سنة 533 للحساب الميلادي. وكانت خطوة عملاقة أولت مولد السيد المسيح مكانه المركزي في تاريخ الانسانية، مع ان ذيونيزيوس أخطأ في بضع سنوات ، نحو سبع. ولكن هذه الغلطة الطفيفة لا تُذكّر بالمقابلة مع فضل البابا والراهب العظيمين اللذين أكبرا كما يجب ميلاد السيد المسيح محورا للتاريخ.

وبقيت المعارضة المسيحية للسنة اليوليانية مستمرة ، بحيث احتفل عدد من المسيحيين كبير برأس السنة في الخامس والعشرين من آذار مارس ، يوم بشارة جبرائيل الملَك للسيدة العذراء مريم بميلاد السيد المسيح المجيد (عن لوقا 1 : 26 وتابع). وفعلا ظل هكذا الحال في انكلترا حتى سنة 1752.

تصحيح البابا غريغوريوس الثالث عشر للتقويم اليولياني

ترأس البابا غريغوريوس الثالث عشر فريقا من العلماء الفلكيين بعد أن وجدوا وقوع الاعتدال الربيعي بين الليل والنهار في العاشر من آذار مارس بدل الحادي والعشرين . فزادوا عشرة ايام سنة 1582. ومع هذا التصحيح الفلكي (الذي لا دخل له في العقيدة) ، ثبّت الحبر الاعظم المذكور تاريخ الاول من كانون الثاني رأسا للسنة المدنية الميلادية- المكتسبة منذ القرن السادس الميلادي والتي محت آثار الوثنية وتأسيس روما الاسطوري ، الى غير رجعة.

ولكن هنالك فرق بين السنة الميلادية والسنة الطقسية أو الليتورجية!

يخلط البشر – ولا سيّما غير المطّلعين – بين رأس السنة الميلادية المدنية – التي يسير عليها العالم حتى ايامنا - والسنة الطقسية أو اللتورجية الكنسية. هتلك نظام وتقويم لامور الدنيا وحوادثها ، وهنالك ترتيب آخر للزمن يقاس انطلاقا من العهد الجديد. فلا نحن عبرانيون قابعون في "العهد القديم" وكأن المسيح ما أتى ، بحيث نتبع التقويم العبري بعبودية وخنوع ، ولا نحن وثنيون يوافقون على الوثنية ومعبوداتها وانحرافاتها. نحن مسيحيون والسيد المسيح كلمة الله وهو محور تاريخنا ومركز تقويمنا ، "وهو هو أمس واليوم والى الابد". لذا ، تبدأ السنة الليتورجية أو "الطقسية" (و"طقس" كلمة دولية كنعانية يونانية تعني "ترتيب" و "نظام") – تستهل السنة الليتورجية في الطقس اللاتيني الروماني في الاحد الاول من المجيء أي قبيل عيد الميلاد المجيد بنحو ثلاثة اسابيع وأكثر قليلا. وفي عدد من الكنائس الشرقية تبدأ السنة الطقسية في الاول من ايلول سبتمبر .

الاحتفالات المسيحية الطقسية الكنسية في آخر سنة ومطلع سنة جديدة

لا "يانوس" في التقويم الكنسي الطقسي ولا يوليوس ولا رومولوس ولا ريموس بل مولد السيد المسيح محورا للتاريخ ومركزا للزمان. بعد عيد المولود السيدي المجيد ، تأتي عدة أعياد منها ذكرى أطفال بيت لحم الذين اغتالهم جند هيرودس.

آخر السنة المدنية الميلادية : عيد القديس سلفستروس

تنتهي السنة المدنية بعيد القديس سلفستروس الاول البابا. ولا يعرف معظم المحتفلين ب "سلفستر" – حتى بين العبرانيين – شيئا أو تقريبا لا شيء عن هذا القديس الحبر الاعظم الروماني الذي خلف البابا ملقياذس من سنة 314 الى 335. بهذا القديس تحتفل الكنيسة البيزنطية الشقيقة – بما فيها الارثوذكسية – في الثاني من كانون الثاني. كان "روماني الاصل، الرابع والثلاثين من سلسلة أساقفة روما. أمر بانعقاد مجمع في أثر رسالة تلقاها من القديس اسكندر بطريرك الاسكندرية ، تطلع قداسته على بدعة أريوس. فاجتمع في مدينة "نقية" (بالقرب من بيزنطة القسطنطينية) ثلاثمئة وثمانية عشر اسقفا جلّهم شرقيون في التاسع عشر من حزيران يونيو سنة 325 .وأوفد البابا سلفستروس اسقف قرطبة أوسابيوس والكاهنين فيتوس وفنشنسيوس ليرئسوا المجمع نيابة عن قداسته. وثبّت البابا ما قرره المجمع في مقاومة اريوس ومشايعيه" (من مؤلّف الاب البرت لوك الفرنسيسي ، "روما قِبلة المسيحي"، ص 40).

نهاية السنة المدنية الميلادية بعيد القديس سلفستروس دعوة للاعتراف بسموّ السيد المسيح. ولاحقا سيكتب القديس العلامة توما الاكويني :"تتلخّص جميع البدع بمحاولتها التقليل – جاشى وكلاّ – من قيمة السيد المسيح!"

وتشيد الكنيسة البيزنطية الشقيقة ، بما فيها الارثوذكسية ، بالبابا القديس سلفستروس بهذه الكلمات المؤثرة :"ايها الاب ، رئيس الكهنة سلفستروس ، لقد استضأت بنور الكهنوت بوقار. وأنرت المؤمنين باشعّة التعاليم الساطعة!"

الاوّل من كانون الثاني في الليتورجيا اللاتينية

في حين يحتفل المسيحيون مع سائر الناس بمطلع سنة جديدة يجتمع فيها المعترفون بابن مريم مسيحا وكلمة لله ، ويتبعها - طوعا أو كرها -حتى المنكرون للمسيح ، تقدّم لنا الكنيسة الرومانية – المتحررة من الوثنية – عيد "اسم يسوع" ، اذ كما قال البابا الاول القديس بطرس أمير الرسل :"ما من اسم آخر تحت السماء وُهب للناس به نستطيع أن ننال الخلاص" (عن أعمال الرسل 4 : 12). وبما أن لا طفولة من غير أمومة ، فيلتحق بعيد اسم يسوع في الاول من كانون الثاني عيد "السيدة العذارء مريم والدة السيد المسيح" (عن لوقا 1 : 43). هذان هما العيدان اللذان نحتفل بهما في رأس السنة.

من المعاني والعِبَر

سنة جديدة مناسبة فريدة ليس فقط لقياس الزمان في أعمارنا القصيرة بل فرصة لمراجعة النفس وفحص الضمير عن الماضي وأخذ المقاصد الصالحة للسنة المقبلة. انها مناسبة للتقوى بعد مروق وللايمان بعد شك وجحود وللصلاة بعد دهرية والاحسان بعد أنانية والاستتغفار بعد خطيّة، انها مناسبة لالتئام الاسرة والمعارف والاصدقاء والقرب بعد جفاء والتذكّر بعد نسيان والمصالحة بعد خصام ، وانطلاقة جديدة بعد خمول والامل بلا كلل والعمل بدل الكسل. وكان صاحب المزامير قد صرخ :" سنوات أعمارنا سبعون وبالكد ثمانون ، ومعظمها عناء وشقاء ، تمرّ سراعا ونطير هباء!" ( 90 (89) : 10) ولكن ، كما يكتب رسول الامم الاناء المختار بولس، بعد أن "يُنقض بيت خيمتنا الارضي ، فلنا في السموات بناء من الله ، بيت غير مصنوع بألايدي " (الثانية الى القورنثيين 5 : 1).
وكلّ عام وأنتم بخير! سنة جديدة مباركة نقدر أن نخاطب فيها العزة الالهية شاكرين لها ما أعطتنا من هبات وما ستعطينا من نِعَم :"كللتَ العام كَرما ، وعجلاتك تقطر دسما" (عن مزمور 65 (64) : 11).

<<
 
 
 
Visitors Online 5  -  Visitor Number 3645 Homepage  |  عن موقعنا  |  Privacy Policy  |  خريطة الموقع  |  إتصل بنا
All Rights Reserved for Farther Peter Madros, Copy Rights © 1999 - 2010 Designed & Managed by: inspire.ws