يطيب للمرء في مطلع هذه السنة الميلادية الجديدة أن يرجو لكل الناس كل خير وبركة ، من غير تمييز ولا استثناء ، اذ كل الناس اخوة وأخوات في الانسانية وان كانت تختلف بينهم المذاهب والافكار. والجدير بالاختلافات الاّ تتدهور الى خلافات. ويحلو لنا هنا أن ننهج نوعا ما نهج غبطة البطريرك اللاتيني العربي الاصيل فؤاد بطرس الطوال راعي أبرشية "أم الكنائس" في القدس وسائر فلسطين والاردن وجزيرة قبرص. قام غبطته في مؤتمر صحفي بجرد السنة المنصرمة ، في حلوها ومُرّها ، في أعظم أحداثها شأنا أو "أهمية" كما تقول العامّة.
لن تعود هنا المواضيع التي اثارها عبطته ولكن تتبع هذه السطور النهج ذاته والفكر ، مستعرضة بسرعة بعض ما حدث في العام الماضي.
- حج قداسة البابا مبارك (بندكتوس) السادس عشر وزيارته الراعوية لابرشيتنا المحبوبة
لا شكّ في أن تلك الزيارة كانت أعظم الاحداث شأنا من كل النواحي. ولقد قام الحبر الاعظم بتواضعه وتقواه وعبقريته بمد يد المحبة والاحترام الى جميع الناس متمما كلمات السيد له المجد :"أحبوا بعضكم بعضا" وتوصيات الاناء المختار القديس بولس رسول الوثنيين والعبرانيين :"ان أمكن سالموا جميع الناس". وتمم بالقول والفعل ما تطلبه الرسالة الاولى الى تيموثاوس ( 2 : 1 وتابع) :"أسأل قبل كل شيء أن تُرفَع الصلوات والابتهالات والتوسلات مع الشكر من أجل جميع الناس (وفعلا نصلي من أجل كل البشر في كنائسنا) وخصوصا من أجل الملوك وكل ذي سلطة، لنقضي حياة وادعة مطمئنة بكل تقوى وكرامة ". وأوضح لطف قداسة البابا وأصلح ما قد التبس احيانا على بعض القوم من كلمات حذفت منها صحافة مغروضة.
وتحلّى قداسته بالشجاعة والجرأة – اللتين تألق بهما البابا الاول أمير الرسل مار بطرس بعد العنصرة. وأكّد حقوق شعبنا المهضومة وأقرّ بما ارتكبته حكومة الناتسيونالسوتسياليزموس في المانيا التي فتكت بعدد من العبرانيين. ولكن السعب الفلسطيني والعربي بشكل عام أصبح – على حد تعبير البروفسور واصف العبّوشي- "ضحية الضحية"! ولا ينسين أحد قول قداسة الحبر الاعظم وهو ابن المانيا التي أزيل منها جدار برلين :"أكثر مشهد أحزنني هو هذا الجدار".
ولا يغربن عن بال أحد أن الحبر الاعظم رجُل دين لا دنيا وأنه المكلف عن طريق خلافته للقديس بطرس (فهو البابا الخامس والاربعون بعد المائتين) – المكلف برعاية الخراف والغنم ، بحيث أن "مواقفه" الانسانية والاجتماعية أو السياسية تأتي فقط في الدرجة الثانية بعد "اهتمامه بجميع الكنائس" وهمّه الراعوي الرسولي واتقاده غيرة على ملكوت الله ،خصوصا في هذه الديار المقدسة حيث شاء تاريخ قاس أن يختفي وجه المسيحية من بعض البقاع. ومّما أدهش قداسته – على ما يبدو – اصرار قوم من العبرانيين ومشايعيهم على اعتذار قداسته وكأنهم يريدون أن يغطّوا تجاوزات الحاضر ومظالمهم بجرائم الماضي الهتلري.
- من السلبيات : السماح لمثيين بالزواج وبمراتب اكليروسية في الغرب
يُصدَم المؤمن ولا سيما في الشرق من تلك "التسهيلات" التي تقدّمها حكومات شعوبها مسيحية وبالذات كاثوليكية – مثل المكسيك – لزواج مثليين. ويأسف المرء لتصويت جماعات امريكية "اسقفية" في سبيل امرأة "قسيسة" كي تُرفع الى درجة "الاسقفبة" وهي مثلية. ان الكتاب المقدس واضح كل الوضوح في هذا الشأن (ولا سيما الرسالة الى اهل رومة 1 : 18 وتابع، والحديث التوراتي عن صدوم وعمورة وقوم لوط). فلا يعتقدن أحد ان المسيحية تسمح بمثل تلك الزيجات التي تشجعها حكومات معادية للمسيح والمسيجية تهدف الى تدمير الكيان المسيحي. ويشكر المرء العزة الالهية أننا في الشرق ومعظم الغرب لا نوافق على مثل تلك "الاقترانات" التي لا تستحق اسم زيجات.
- مسألة "حقوق الانسان" ولا سيما الطفل
أتت في سنة 2009 الذكرى العشرون لاعلان جمعية الامم المتحدة لحقوق الطفل والذكرى الحادية والستون لاعلان حقوق الانسان. جميل أن نسأل عن حالة هذه الحقوق عندنا قبل أن ننتقدها عند سوانا ، ونحن نحاول أن نقلع الخشبة التي في أعيننا قبل أن نزيل القذى من عيون اخوتنا الاعاجم. وقام في الغرب جدل حول أماكن عبادة يثير دوما السؤال عن حقوق الانسان وواجباته الدينية والانسانية. والواقع ان الثيوقراطية – اي جكم الدين – والديموقراطية يجب أن يتفقا لا أن يتصادما.
خاتمة : تدور عجلة الايام
ويستمر الزمان ونحن معه ، في هذه الدنيا التي "تصيح بملء فيها : حذار حذار من بطشي وفتكي". ويتقلب البشر على هذه البسيطة ولا يبقى سوى وجه الله ولعمل الصالح والذكرى للصديقين المخلدة. وهنا يلزمنا "فحص ضمير" يقوم به كل فرد بمفرده ، أمام الله. ولنعملن ما نستطيع فعله ، اذ لا فائدة من تفلسفنا على سوانا واقتراحاتنا لهم بأن يفعلوا كذا أو يمتنعوا عن كذا – علينا الارشاد وعلى سوانا العمل وعندهم الحرية . ويقول مثل عامي : "اللي مش بايدك بيكيدك". ولتساعدنا العزة الالهية – بجاه مولود العذراء وهذه الاعياد الميلادية المجيدة – لحياة بر وتقوى وايمان "ونحن ننتظر السعادة المرجوّة " وقد "ظهر لطف الله مخلّصنا ومحبته للناس!"