سبّبت الهزات الارضية التي ضربت هاييتي مآسي كثيرة لا حاجة الى اعادة ذكرها هنا. واستغلت الوضع قوى سياسية من جهة وعصابات الاجرام من جهة أخرى ، ولا مقابلة بين الطرفين. ما يعنينا في هذه المقالة استخدام بعض الفئات المنشقة عن الكنيسة لتلك الحوادث المؤسفة كي تؤكّد قرب نهاية العالم مستشهدة بكلمات السيد المسيح : "ستسمعون بالحروب وباشاعات عن الحروب . اياكم أن تفزعوا ، فلا بدّ من حدوثها ، ولكن لا تكون النهاية عندئذ . سقوم أمّة على أمّة ومملكة على مملكة ، وتحدث مجاعات وزلازل في أماكن كثيرة . " وباقي الاية ذو شأن عظيم يدل على أن كل تلك الظواهر ما هي الاّ بدء الاحزان لا نهاية العالم :"وهذا كلّه بدء المخاض" (الاية الثامنة ، بعد الايات السادس والسابعة من الفصل الرابع والعشريين من انجيل متّى البشير والتلميذ الطاهر، والمواضع الموازية من مرقس 13 : 8 ، ولوقا 21 : 11 وتابع ). ولا يغربن عن بال القاريء أن هذا الخطاب السيدي مرتبط بالنبوة عن دمار الهيكل – وكان ذلك بمثابة نهاية العالم في التفكير اليهودي.
حتى الان ثبت عشرات المرات عدم صدق أو عدم دقّة أو كذب عند كل الذين منذ قرون طويلة ولا سيما في القرن التاسع عشر تنبأوا عن نهاية العالم وحددوا زمنها ، مع ان السيد المسيح قال أن أحدا لا يعرف ذلك الوقت بالضبط. ويكتشف المرء بمرارة وحسرة أن "سياسة" التنبؤ بنهاية العالم درّت عليهم أموالا طائلة وباعوا أضعاف ما يبيعون من كراريس وكتب ومجلاّت (وخصوصا المطبوعة في الولايات المتحدة الامريكية) وأفلام رعب وتكهّنات ، وقد استغلّوا خوف الناس. وفعلا ، ما تردد أحد زعماء تلك الفئات بنعت نبوّات أسلافه عن نهاية العالم بأنها asinine أي انها – بعيدا عن القراء الكرام – "من فئة الحمير" وصفاتهم – أي غبيّة. وهنا لا يعرف المرء اذا كان يقصد المتنبئين المحتالين أو الاغبياء ، أو كان يقصد الذين صدّقوهم فباعوا – كما حصل في منتصف السبعينات حتى في فلسطين – كل أملاكهم وهاموا على وجوههم تاركين منازلهم. وعزف كثيرون عن الزواج – حتّى في منطقة بيت لحم – متوهمين ان نهاية العالم على الابواب بحيث كان الاقتران بامرأة وانجاب أطفال ضربا من الجنون لدى قرب النهاية الوشيك!
زلازل اعلامية للطعن بالمسيحية!
وما أكثرها . ويحصر الحديث هنا عن الغرب "المحسوب" على المسيحية، مع انها نشأت في الشرق ، وفي فلسطين بالذات . تشر هذه السطور الى فيلم لمنتج اسباني يصوّر المسيحية في مصر ، في القرن الرابع الميلادي وكأنها وحشية ، ويروّج الفيلم للوثنية. اعترض الاساقفة على هذا الفيلم واعترض قوم على اعتراضهم على اساس "حرية الرأي والتعبير". ولكن يبدو أن تلك الحرية مقبولة حين تطعن بالسيد المسيح والكتاب المقدس والكنيسة فقط.
مهما يكن من أمر الاجراءات القانونية ومسألة حق التعبير الحرّ – يجب أن يعطي القانون حق الردّ على الاهانة والجواب على الاستفسار والدفاع أمام الهجوم والاّ أصبح حق "التعبير" حقّا للهجوم على الناس وأديانهم ومقدّساتهم.
وبما أن السيد المسيح قال :"تعرفون الحقّ والحقّ يحرركم" ، فجدير بالمرء أن يستفيد من هذا الفيلم الاسباني لكي يفضح وثنيته التي تمدح عابدي الاصنام في الماضي لتبرر نوعا ما الوثنية الحاضرة في المجتمعات البشرية بشكل عام والغربية بشكل خصوصي. وغريب الشبه اللفظي بين الوثنية في العربية وا"اثني" اليونانية أي الشعوب والامم (وفي الارمنية "هيثانوس"). ان تلك الوثنية الجديدة توصف في اللاتينية وما اقتبس منها من ألسنة بلفظة "باجانوس" (في الانكليزية "بيغن" (pagan أي القروي بما أن المسيحية دخلت المدن أولا وما تغلغلت في القرى والضّيع الاّ لاحقا . واليوم بشكل عام أهل الريف متدينون أكثر من أهل المدن.
الوثنية أو المادية تعبد أصناما هي المال والجمال والراحة والجسد ، وهي الخليفة للوثنية القديمة التي جعلت للمال والخمر والجمال وغيرها معبودات. وان أفاد ذلك الفيلم الاسباني في شيء ، فلانه يبيّن البون الشاسع والتناقض اللامع بين المسيحية والوثنية.
لكي نحكم على المسيحية والمسيحيين
يحكم المنتج الاسباني "امينابار" ، من خلال مشاهد الفيلم ، على الكنيسة ، وبالذات على القديس العظيم كيرلس الاسكندري ، بالظلم والعنف ، حاشى وكلاّ. ولكن مقياس الحكم على المسيحية ليس تصرفات المسيحيين بل ما ورد في كتبهم المقدسة. ولا يخفى على أحد أمر السيد المسيح بنبذ العنف الهجومي ورفضه لمبدأ السيف أي حق القوة بخلاف قوّة الحق (عن متّى 26 : 52) ، ودعوته أن يتلمذ له الناس "لانه وديع متواضع القلب" (عن متى 11 : 27 وتابع). ويقبل السيد المسيح مبدأ الدفاع عن النفس ، واللجوء الى القوة فقط ان لم تتوفر وسائل أخرى (عن لوقا 23 : "من لم يكن عنده سيف ، فليبع رداءه ويشتر سيفا" (لوقا 22 : 36).
أمّا من جهة الحقيقة التاريخية ، فان الوثنية اضطهدت المسيحية ، منذ عهد نيرون وداقيوس وذيوقلسيانوس وغيرهم بحيث يصبح التركيز على احداث عنف مفروضة أو مزعومة أو حقيقية من المسيحيين لسحق الوثنيين وتضخيم تلك الحوادث – خداعا وزورا وبهتانا .
زلازل أخرى بلا نهاية في الفكر والاخلاق والمجتمعات!
ومن يحصر الزلازل الايديولوجية التي تقلب المفاهيم وتدمّر الافراد والعائلات والمجتمعات والامم من اجهاض وقتل رحيم واباحة بزواج مثليين وبتبنيهم لاطفال وما الى ذلك من منكرات يرفضها كل دين ولكن تشجعها بعض الدول التي وقعت في "الوثنية الجديدة" المحاربة للقيم والعقائد والاخلاق.
ويحاول المرء أن يضيء شمعة بدل أن يلعن الظلام ويتساءل كل ذي ارادة حسنة ، مع صاحب المزامير الذي شكا من الظلم والانحراف :"اذا ما تزعزعت الاركان ، فما حيلة الصدّيق؟ ويعود المرء الى الثوابت الصامدة أمام الزلازل والمتزعزعات :"رأس الحكمة مخافة الله" ، "قال الجاهل في قلبه : لا اله!" ، "أحبوا بعضكم بعضا" ، "من أخذ بالسيف ، بالسيف أيضا يهلك" ، "اذا أردت أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا" ، "ما يبقى هو الايمان والرجاء والمحبة ، هذه الثلاث وأعظمها المحبة"!