يحلو للكنيسة أن تذكر "العائلة الطاهرة" المكوّنة من يسوع ومريم ويوسف. ولئن نشأ هذا العيد رسمياً في الغرب ، بعد أن شجّع الفكرة اسقف كندي هو المنسنيور فرانسوا دي فال ، ومع ان البابا لاون الثالث عشر أقام هذا العيد في القرن التاسع عشر ، غير أن العيد بدأ في بيت لحم فلسطين ، بيت لحم افراثا (عن ميخا 5 : 1 ). وان كانت كنيسة اللاتين في رام الله تحمل اسم "الأسرة المقدّسة" بفخر واعتزاز ، غير أن كل الكنائس الكاثوليكية وشقيقاتها الارثوذكسية في العالم – وكل العائلات المسيحية – ترنو الى العائلة الطاهرة لكي تتأمل في فضائلها وأفضالها ولكي تنهل من ينبوعها القدوة الصالحة للآباء والأمهات والأبناء!
تألّق الاسرة المقدّسة وسط الصّعاب !
نرتّل مع الشاعر الموهوب الورع :
"طوبى لبيت الناصرة قد نال حظّا أسعدا !"
وليس القصود الحظ ولا ال "شنص" ولا "البخت" بل السعادة الحقيقية العيمقة التي تأتي من التقوى والثقة بالله والركون الى محبته تعالى الأبويّة ، وتمتيع النظر بالسيد المسيح "أبهى بني البشر وقد انسكب الحسن على شفتيه" (عن مزمور 45 (44) ، مع انه حين آلامه سيُمسي "لا صورة له ولا بهاء" (عن أشعيا 53). ويسعد الذي ينظر بوقار الى السيدة العذراء مريم دائمة العذرية وهي ترتفع "مثل السوسن بين الشوك" ، متألقة على بنات حوّاء التي حباهنّ الخالق بالحسن والنعومة والرقّة تألق الزنبق بين العوسج ، بما أن الله اصطفاها وطهّرها واختارها واصطفاها "على نساء العالمين"! ولا يفوتن أحد أن يتأمل بالعفيف المضحّي الأب الروحاني الفاضل الصدّيق أي القدّيس يوسف "ابن داود" سليل الملوك وان كان اليوم نجّارا ناصرياً جليلياً متواضعا ً!
بصعوبة نقدر أن نصل مهما حرصنا ومهما اجتهدنا – ولن نبلغ الارب – الى فضيلة الاسرة المقدسة ولكن ممكن أن نُشبّهها كثيرا بآلامنا وتضحياتنا وتعبنا وكدّنا وعرق جباهنا ودموع مآقينا ودماء قهرنا! قهرها هيرودس الطاغية كما تقهرنا هيمنة الغرباء ، ولاحقها جنود الادومي اليهودي "الكبير" كما تلاحقنا جحافل عاتية تنغّص علينا عيشنا وتأخذ الكثير من القليل الذي تبقّى لنا ، ولجأت الأسرة المقدّسة الى مصر كما لجأ مئات الالاف منّا الى الديار الشقيقة والأقطار البعيدة ، واحتقرها الرومانيون شامخو الانوف مثل أوغسطوس قيصر والحكّام المتغطرسون أمثال قيرينيوس وقنتيليوس فاروس ناهيكم عن هيرودس وحاشيته – كما يحتقرنا قوم من الغربيين المتفوقين علينا تقنولوجيا والمزوّدين الدنيا بالاسلحة ،متوهّمين انهم الدرجة الاولى في حين اننا "العالم الثالث" أو "الرابع" أو من "الدول النائمة" (بدل "النامية) كما كان يقول صهري الحبيب فؤاد أبو فريد ، رحم الله روحه وروح شقيقتي وطيّب المولى ثراهما!
"من صبر الى المنتهى ينال الخلاص"
نطلب لعائلاتنا صبراً على الشدائد وصموداً وقت الضيقات وعزة للنفس وان كانت الدنيا تذلّنا ، واحتراماً لأنفسنا في حين يحتقرنا "العظماء" وصموداً في أرضنا وعودة من جلائنا ، بجاه الأسرة المقدسة قدوة عائلاتنا وتاج رؤوسنا! ومثل علماء المشرق الذين رأوا نجم المسيح ، "لنفرح فرحا عظيما جدا" ولنحمل عطايانا البسيطة فتتحوّل بالايمان والتواضع الى ذهب ولبان ومرّ يصبح حلوا بما أن "المحبة تصبر على كل شيء" ولأنّها "قوية كالموت" ولأنّها تغلب الموت باستمرار الحياة ، "والحياة نور الناس"!