يحيي المؤمنون كل سنة ذكرى عماد يسوع على يد يوحنا بن زكريا . العيد الطقسي المبني على الكتاب المقدس والتقليد الشريف هو عيد الظهور السيدي ، ظهور الاله الواحد بكلمته وروحه ، على ضفاف النهر المقدّس الذي يعني اسمه "النزول" أو "الانحدار" ، مع انه شهد صعود الانسانية الى مستوى "ملء قامة المسيح" ، يشوع الجديد الذي يدخلنا أرض الميعاد من غير عنصرية ولا عنف ، وآدم الجديد المحب لجميع البشر الذين يراهم مثبتا المحبة للاله غير المنظور.
بهذه الاعياد الميلادية المجيدة قضت الكنيسة في الغرب والشرق على الاعياد الوثنية المؤلهة للشمس والامبراطور في الخامس والعشرين من كانون الاول ديسمبر وفي السادس من يناير كانون الثاني حيث احتفل العالم الوثني بظهور المعبودات او الالهة (في الجمع) وبالنور. ولعل الاصل الطبيعي لتلك الاحتفالات ان النهار يبدأ بالطول بعد الرابع والعشرين من كانون الاول ديسمبر .
صحيح ان كنيسة الارمن الارثوذكس الشقيقة لا تعيّد عيد الميلاد وحده كمناسبة مستقلة بعبارة صريحة ولكنها تقرن ذلك الاحتفال بذكرى المعمودية أي الظهور ، كما تشير العبارة الليتورجية الطقسية :"عيد المولد والظهور السيديين". ويجد المرء صدى لها في العبارة التقوية الشعبية الارمنية " المسيح وُلد وظهر" ، ويجيب المستمع :"لكم بشرى سارة ولنا!" وفي التعبير العربي "المسيح مولود معمود".
عيد الغطاس مع غزّة الايمان!
وهذه السنة بشكل خصوصي تتحول الانظار ايضا الى غزّة في حاضرها الحزين وماضيها العريق. وينتقل هذا المقال الى المفكر المسيحي والشاعر الموهوب سليمان الغزي (الذي عاش بين القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين) . نترك شاعرنا الغزي يتكلم عن معمودية السيد المسيح في نهر الاردن على يد يوحنا المعمدان (في القصيدة السابعة والخمسين ، من البيت الثالث الى التاسع ):
" الى الاردن الجاري على الغور انتهى
يُعمَّد بالماء المعين ويُغطَسُ
ليتّصلوا بالقدس من قدس جسمه
ومن طهره ثوب الطهارة يلبسوا
هناك يُحنّا كان يُعمد قومه
فوافاه من ايسوع وجه معبّسُ
فقال يُحنّا : أيَّ شيء فعلتَ بي ،
أتيتَ كقوم بالخطاء تنجّسوا
وكذّب قولي من شهدتُ أمامَه
لك الفضل عنّي ، والشهادة توكَسُ
فرامَ فرارا من يديه ، فلم يرَ
طريقا ، ولكن عاد بالمشي يتعَسُ
فأعمده ، والروح حلّ كأنّه
حمام لرأس الاين ايسوع يكبسُ ".
معموديتنا المسيحية ليست على نموذج معمودية يوحنا بن زكريا
قد يتوهم قوم أن المسيحي يجب أن ينال المعمودية وهو ناضج على مثال المسيح الذي اعتمد وهو ابن نحو ثلاثتين سنة. يردّ قدس الاب يعقوب حنا سعادة في مؤلفه "الجواب من الكتاب" : ان يسوع أخذ معمودية يوحنا التي ما كان أصلا محتاجا اليها ، كما أقر المعمدان نفسه بذلك، مبيّنا الفرق الجوهري بين المعمودية التي كان هو يعطيها والمعمودية التي سوف يقيمها المسيح ذاته :"أنا اعمدكم بالماء ولكن يأتي بعدي الذي يعمدكم بروح القدس والنار" (أيضا عن مرقس 1 : 8) . وقال يسوع لرسله :"يوحنا عمد بالماء أما أنتم فسوف تعمدون بروح القدس بعد ايام غير كثيرة" (أعمال 1 : 5).
كانت معمودية يوحنا استعدادا لمعمودية المسيح والمسيحية. اليهودي الذي كان يعمده يوحنا كان يبقى يهوديا . وكان يوحنا يعمّد باسم الله في العهد القديم ، قبل المكاشفة أو الوحي عن كلمة الله وروحه في الوحدة الثلاثية عند الاله الاحد. كانت معمودية يوحنا للتوبة بالماء ، ومعمودية يسوع بالماء والروح ميلاد جديد ، "من فوق" ، فالمعمودية المسيحية "غسل اليملاد الوثني وهبة روح القدس" (عن تيطس 3 :5) . وبما انها ميلاد فهي مطلوبة للاطفال ومن اول مولدهم ، بما انهم ولدوا من الجسد فيجب أن يولدوا من الروح فورا أو بأسرع وقت ممكن : المولود من الجسد هو فقط جسد ، والمولود من الروح هو روح" (عن يوحنا الحبيب 3 : 2 وتابع ، من حديث السيد المسيح مع نقوديموس). وفعلا عمّد الرسل اناسا ناضجين تابوا عن خطاياهم واهتدوا الى المسيح واعتنقوه ، وعمدوا أيضا عائلات هؤلاء المهتدين وجماهير غفيرة فيها الكبار والصغار . ومن العائلات التي نالت المعمودية بكامل افرادها : قرنيليوس الضابط (اعمال الرسل 10) وليديا والسجان (أعمال 16 : 14 و 35 وتابع) وقرسبوس رئيس الكنيس العبري (أعمال 18 : 8 أ ) واسطفاناس (قورنثوس الاولى 1 : 16). كل هذه العائلات اعتمدت على يد اثنين فقط من الرسل هما بطرس وبولس. وأكيد ان الرسل الاخرين عمدوا عائلات وجماهير ، كبارا وصغارا.
خاتمة
ليذكرن المسيحيون يوم معموديتهم كما يحتفلون بايام ميلادهم بالجسد ، وليشرق عليهم نور السيد المسيح الذي سطع على نهر الاردن