التقى يوم الاربعاء الثالث من شباط فبراير الجاري 2010 غبطة البطريرك اللاتيني المقدسي فؤاد بطرس الطّوال في بيت لحم بفخامة الرئيس محمود عبّاس . وكان ذلك اللقاء الاخوي حدثا مؤثرا مأثورا ، شدّ على أيدي الرائد الفلسطيني المعروف عالميا باتزانه وعقلانيته. وأثلج صدر الرئيس اعلان البطريرك عن استمرار الابرشية اللاتينية وسائر هيئات الكنيسة الكاثوليكية في مشاريع الاسكان ، تثبيتا للمواطنين ولا سيما المقدسيين.ولا يخفى على المطّلعين حرص الكنيسة الكاثوليكية – وخصوصا البطريركية اللاتينية وحراسة الاراضي المقدسة الفرنسيسكانية ، على كل شبر من أوقافها في هذه الارض الطهور، وتنفيذها لمشاريع اسكان تقوم بها بشكل منهجي وتضحيات كثيرة مريرة. ويفخر المرء بأمانة الكنيسة الكاثوليكية ليس فقط لوديعة الايمان – كما أوصى رسول الامم بولس – بل أيضا في المحافظة على أراضي الكنيسة وممتلكات المواطنين ، فلا بيع ولا تأجير لاية جهة غريبة أو معادية. وتعارض الكنيسة الكاثوليكية بشدّة هجرة ابنائها وتعمل ما بوسعها لتوفير فرص العمل لهم والدراسة على ثرى موطن السيد المسيح ،وطن الاباء والاجداد .
وفي هذه المناسبة لحظ المؤمنون البون الشاسع بين موقف قداسة الحبر الاعظم الروماني وأسلافه على السدّة البطرسية وموقف رئاسة حكومة ايطاليا من شعبنا الفلسطيني المظلوم.
التفاهم والتعارف والتآلف على الصعيد الاعلاميّ
منذ مطلع العام الجديد يبثّ التلفاز الفلسطيني كل يوم أحد خدمة القدّاس ، مثبتا أصلة شعبنا وأريحيّته ولسان حاله خطاب القديس يوستينوس النابلسي (90 – 165 م) :"كل يوم شمس (أي الاحاد) نجتمع كلّنا حول المترئس ونقرأ كتب الانبياء ومذكّرات الرسل 0أو الحواريين)". وبهذا القداس الاسبوعي – الذي ينسجم مع صلاة الجمعة على شاشتنا الوطنية الصغيرة وفي قلب شعبنا الكبير – تتمّ اجراءات حميدة بدأت في عهد الرئيس الرمز ياسر عرفات ، طيّب المولى ثراه. ويحلو للمرء أن يدعو دوما – ويعمل من غير كلل – في سبيل الوحدة الوطنية العربية في كل أقطارنا ، وأدا لكل فتنة ، بين مسيحيي البلد الواحد ومسلميه ، ردّا لكيد العدى. ويرجو المرء نهاية سريعة للانقسام الفلسطيني.
وفي سبيل التفاهم – اساس المودّة التي تنادي بها الكتب التي نقدّسها ، يفرح المرء عندما تحترم وسائل الاعلام ايمان الاخرين. ويجب التخلص من كل سوء فهم – لانه يقود حتما الى سوء تصرف.
قال السيد المسيح :"تعرفون الحق والحق يحرركم" (يوحنّا 8 : 32). وكتب بولس الرسول الى المؤمنين: "عاملين للحق في المحبة" (أفسس 4 : 15). ويعلن النص القرآني أن الله خلق الناس "شعوبا وقبائل لتعارفوا". المعرفة الصحيحة النزيهة الموضوعية تبني المودّة التي نحن بها – معشر المسيحيين – أقرب الناس الى المسلمين (عن سورة المائدة 83). وفي كل ميدان ، بداية بالمناهج الدراسية ، يجب توخي الحقيقة من مصادرها وازالة الاحكام المسبقة والافكار المغلوطة.
بنعمة الله ، لا نجد بين صفوفنا أفكارا غريبة انطلقت من الشرق الاقصى. ولكن لا بأس في دحضها ، بما أن الكتاب المقدس "مفيد للتعليم والنقاش والتفنيد والتهذيب بالبر" (2 تيموثاوس 3 : 16).
"صوت صارخ في البرّية" : المتكلم هو يوحنا المعمدان بن زكريا حيث أنبأ بظهور المسيح القريب وقال يوحنا انه لا يستأهل أن يحل رباط حذاء يسوع ولا أن يحمل ذلك الحذاء.
فعل "صَلَبَ" يعني علّق على صليب أي تقاطع خشبتين. والتعليق كان يحصل - تاريخيا - عن طريق ربط اليدين والرجلين أو تسميرهما (عن يوحنا 20 : 25 وتابع). ولا يجوز أن يقال : "يُستخدَم فعل "عُلّق" اذا لم يمت المعلّق على الخشب ، ويقال "صُلب" اذا مات عليه". ولكن هذا التمييز – الذي اختلقه أحد الهنود - مخالف لاصول كل اللغات أي الالسنة ، ومخالف للواقع التاريخي اذ أن عددا كبيرا من "المصلوبين" ما كان يموت على الصليب بحيث كانت تُكسَر سيقانهم تعجيلا للوفاة (في اللاتينية "كروريفراجيوم"). والمرجع في شؤون الصلب ليس أولا اللسان العربي ولا "الاوردو" بل اليوناني – حيث النص الاصلي للانجيل المقدس وسائر اسفار العهد الجديد. فعل "ستافروو" في اليونانية الكلاسيكية ثم الشائعة في القرن الميلادي الاول يعني تسميرا أو ربطا على الصليب (بغضّ النظر ان كان المحكوم عليه سيموت على الصليب أم لا ) ، مثلا في كتابات ذيوذوروس الصقلي 16 ، 61 ، 2 ، أرتيميوس 2 ، 53 و 4 ، 49 ، فلافيوس يوسيفوس "العاديات اليهودية" 2 ، 77 ، ثم 17 ، 295 يقابلها في الانجيل المقدس : متّى 20 : 19 ، ثم 23 : 34 وغيرها...
واللاتينية هي المرجع الثاني : الفعل "كروتشيفيجره" يعني : ربط أو سمّر ورفع على ال"كروكس" ("ستافروس" في اليونانية)، ولا تشير أي من هذه الالفاظ – لا من قريب ولا من بعيد – الى وفاة المصلوب أو عدم موته. وبما أن كلمتَي "ستافروس" اليونانية و"كروكس" اللاتينية كانتا تشيران الى كل من الخشبة الافقية (التي كانوا يسمّرون عليها أو يربطون بها ايدي المحكوم عليهم وأقدامهم) والخشبة العامودية التي كانوا يرفعونهم عليها مع الافقية ، فان فعل "صلب" يشير الى كل من الربط أو التسمير أولا ، ورفع الجسد على الخشبة العامودية ثانيا، وطبعا لا تدلّ أية من الكلمات والافعال على وفاة أو عدم وفاة.
الفعل الارامي السرياني "زقاف" ومشتقاته يعني : صَلَبَ ، رفع ، علّق. وهنا أيضا لا اشارة – ولا بمئة سنة ضوئية- الى وفاة أو عدم وفاة بما أن الفعل يعني أصلا "رفع".
- الصلاة السيدية "ابانا الذي في السماوات" أجمل دعاء في المسيحية ، وسّع فيه السيد المسيح المعلّم والمشترع مفهوم عيال الله من معشر العبرانيين المتشدقين بأبوّة اله لهم فقط الى كل الناس ،وطهّر يسوع فكرة "الملكوت" من كل شائبة دنيوية سياسية عسكرية نرجسية عنصرية اقتصادية فوقية. واشتراط صفحنا عن الناس كي يغفر لنا الله ذنوبنا شرط نضعه على أنفسنا لا على العزة الالهية ، حاشى وكلاّ. ومن العجيب أن يصف أخدهم صلاة "أبانا" بأنها ضحلة ...وقد أطلق ذلك الحكم وهو يجهل النصوص الاصلية ولا يدرك معنى عبارات الصلاة العظيمة الاّ أماني.
التفاهم والتعارف والتآلف على المستوى الشّعبي
صدرت مؤخّرا عن عدّة شخصيات من الاكليروس والشعب المسيحيين الفلسطينيين وثيقة ذات شأن عنوانها "وقفة حقّ" ، في شأن النزاع الفلسطين الاسرائيلي . معروف موقف المسيحيين الفلسطينيين والعرب من القضية الفلسطينية ونضالهم في سبيلها ونصرتهم لها ومطالبتهم بحقوقهم بما انهم مواطنون اصليون أصيلون – لا غرباء نزلاء أعاجم – وبما أنهم بهدى الانجيل المقدس وضيائه ينتصرون للحق والعدل. وتريد هذه السطور ، من غير ادعاء ، أن تدلي برأي ما سأل عنه أحد تقريبا ، مفاده يتلخّص بتأييد معظم ما ورد في تلك الوثيقة. ولعلّ المرء يستطيع أن يزيد على الوثيقة المشار اليها أمرا ذا شأن وأحسبه الاسمى مقاما – وهو أن فلسطين هي وطن السيدة العذراء والقديس يوسف العفيف والسيد المسيح والرسل الاطهار والتلاميذ الابرار ، من العبرانيين ومن سائر الامم التي عاشت في هذه الديار . فلسطين هي مهبط الوحي والالهام . وفي العرف المسيحي تمتد "الارض المقدسة" الى الاردن وسوريا ومصر والعراق (مع أبينا ابراهيم) وجزيرة قبرص ومالطا وغيرها من المواقع المذكورة في الكتاب المقدس. أرض كنعان كلّها (التي ستحمل اسم فلسطين منذ الثلاثينات من القرن الميلادي الثاني نسبة الى مقاطعة فلستيا أي الساحل الغربي)- هي وطن التجسد في الناصرة والميلاد السيدي في بيت لحم ومعجزات السيد المسيح في بقاع كثيرة ولا سيما بحيرة طبرية وآلامه وقيامته المجيدة وصعوده الى السماء . فلسطين هي وطن المسيحية ومهدها ، فالقدس مهد الكنيسة (عن أعمال الرسل 2 : 1 وتابع) وهي "أم جميع الكنائس" . وقد ورد اسمها اليبوسي المنقول الى اليونانية في صيغتَي "يروساليم" و"يروسوليما" مئة وست وأربعين مرّة في العهد الجديد . والقدس هي العاصمة الروحانية الوجدانية التي يتفق عليها العالم المسيحي وان اختلف على العاصمة الادارية بين روما والقسطنطينية وانطاكية والاسكندرية. لذا ، نحسب الارض المقدسة بصواب "الانجيل الخامس".
وقد شاءت قساوة البشر ومكيافيلية الشعوب أن يقلّ عدد المسيحيين في أرض المسيح ووطن العذراء ومهد الكنيسة الاولى "لشديد وطأة العناء والشقاء" والضغوط والتهجير وأصناف القهر والاذلال. ولكن المسيحيين الفلسطينيين وسائر المسيحيين العرب ليسوا "أقليات" بمعنى "جاليات" غير محلية (الاّ اذا تكلّمنا عن دول الخليج العربي) بل عددهم قليل ولكن هذا العدد لا يقلل من قدرهم ومن دورهم ولا يمحو تاريخهم العريق في بناء العروبة والاوطان منذ القرن الميلادي الاول. وربّما ألمّ ببعض المسيحيين مركّب النقص أو عقدة الدونية والخوف والتقوقع على الذات – مع اننا لسنا عبرانيين يعشقون ال"جيتو". ورأى آخرون ان من واجبهم التزلف والتملق ومسح الجوخ ، ولكن "المحبة لا تفرح بالظلم بل تفرح بالحق" (عن قورنثوس الاولى 13 : 6) ، ولا "يفسد الاختلاف أو الصراحة للتفاهم قضية".
وتوهّم مسيحيون آخرون ، منطلقين من سوء فهم للانجيل المقدس ، ضرورة أن "يدير الانسان الخد الايسر" ، توهموا ان على المسيحي ألاّ يقاوم غصب اراضيه والاستيلاء على وطنه. ولكن هنا أيضا "المحبة لا تفرح بالظلم" وتقاومه. وقد أوضح السيد المسيح رفضه للتعدي والهجوم والظلم والعنف (عن متّى 26 : 52) وأبدى تأييده للدفاع عن النفس بقوله :"من ليس له سيف فليبع رداءه وليشتر سيفا" (لوقا 22 : 36).
وتطالب الوثيقة بالمساواة والعدالة لكل المواطنين . ولا بدّ من التغلب على الصعاب التي تحول دون ذلك ، بالحوار والتقارب.
خاتمة
"المسيح هو سلامنا". أزال الحاجز بين العبرانيين وسائر الامم . وايماننا بالمسيح واعترافنا به – مسيحيين ومسلمين – يقدر أن يجمعنا أيضا ، وكذلك اكرامنا للسيدة مريم المباركة بين بنات حوّاء ، المصطفاة المطهّرة "على نساء العالمين" . ومن ناحية أخرى يجمعنا الوطن العربي الواحد ، من المحيط الى الخليج ، تاريخا وتراثا ولسانا وثقافة وحضارة نبنيها معا. ويطيب للمرء أن يلحظ ان لفظة "ابن" قد ترتبط بفعل "بنى" بحيث أننا – نحن مواطني هذه الديار المقدسة وسائر هذا الوطن العربي الكبير لا نستأهل ان نُدعى أبناءها ان لم نكن بانيها!