يقبل المسيحيّون الحقيقيّون الصّوم ويمارسونه من غير تفلسف ولا فذلكات ولا جدال مصطنع "دسّته بدع هلاك" . والموضوع محسوم مفروغ منه بما أن السيد المسيح نفسه صام أربعين يوما وأربعين ليلة (عن متّى 4 : 1 وتابع) وبما أنه تنبأ ان تلاميذه سيصومون "يوم يرتفع عنهم" وهو العروس ، بما أن الصّوم من اشارات الحزن والحداد والتوبة. والفعل المستخدم في بشارة متّى (9 : 15) للاشارة الى سبب الصيام هو بالتأكيد "بنثين" الذي يعني :يحزن (ومن الطريف ان "بنثيرا" في اليونانية هي "الحماة، فهل يعني ذلك انها تحزن صهرها ؟)
الكنيسة –وهي "بيت الله الحي وعمود الحق وركنه" (عن تيموثاوس الاولى 3 : 15) تصوم مقتدية بالسيد المسيح أربعين يوما ، وتوصي بالصيام الاسبوعي كل أربعاء (يوم خيانة يهوذا للسيد المسيح) وكلّ يوم جمعة (يوم الالام والفداء).
لا تناقض في الكتاب المقدّس بل انسجام والتئام
قد يسيء قوم – عن حسن نية أو بخلاف ذلك – فهم بعض الايات من الاسفار المقدّسة فيعلّمون أن الصيام ممنوع أو حتّى انه شيطاني. وهذا مرفوض بما أن السيد المسيح ذاته صام ، ولا يجوز وصف أي من اعماله بالشيطاني ، وهذا أضعف الايمان! ولكن جميل أن "يجيب المرء بوداعة ووقار " عن الرجاء الذي يعمر قلوبنا والممارسات السيدية الحميدة التي يشرّفنا أن نقوم بها ، فقد صام رسل السيد المسيح أيضا ولا سيّما قبل المهمّات الجسيمة (عن أعمال الرسل 13 :2 -3 ، ثم 14 : 23 ، 2 قورنثس 6 : 4 – 5 ). اذا وُجدت نصوص كتابية بيبلية تبدو سلبية في شأن الصيام ، فما هي انتقاد له بل للقائمين به من غير اخلاص أو بلؤم وظلم ورياء.
منذ العهد القديم فرض الله الصوم وفرضه ايضا الاولياء مستغفرين مستمطرين عليهم وعلى قومهم النعم (عن أحبار أي لاويين 16 : 29 وتابع ، صموئيل (ملوك) الاول 14 : 24 ، 2 أخبار الايام 20 : 3 ، عزرا 8 : 21 ، ارميا 36 : 6 ، و 9 ، دانيال 9 : 3 ، يوئيل 1 : 14 ، ثم 2 : 12 و 15 ، يونان 3 : 5 (صوم أهل نينيوى الذي تمارسه بشكل شبه حرفي الكنيسة السريانية الشقيقة)...
نصوص قد يساء فهمها أو استخدامها
مزمور 35 (34) : 13 :" أنهكتُ بالصوم نفسي" والى صدري عاد دعائي : توهّم المترنّم أن الله ما استجاب له ولا رضي عن صومه لانه كان ضحية الخيانة والمكايد وبدا له أن لا نصير. ولكنه يعبّر في آخر المزمور عن رجائه في الله فيمدح الاله الرحيم الذي لبّى طلبه وأكرمه (الايات 26 – 28).
مزمور 69 (68) : 11 : "وقد عنّيتُ بالاصوام نفسي ، فعاد عليّ بالعار الصّيام " (والاية موزونة). لا يعني النص أن الصوم عار في ذاته بل أن خصوم المترنم الملحدين القساة عيّروه بالصيام وسخروا منه.
أشعيا 58 : 3 وتابع : يلوم الله نفرا من العبرانيين :"في يوم صومكم تجدون مرامكم (أي تحققون هواكم) ... انكم للخصومة والمشاجرة تصومون ... الصوم الذي فضّلتُه : حلّ قيود الشّر وفك ربط النّير..."
لا يلغي الله الصوم – بما أنه تعالى فرضه ، ولا ينتقده بل يلوم الصائمين بلؤم وظلم وشهوانية وعدوانية ، وكل هذه المنكرات والخطايا مخالفة لروح الصيام الذي هو توبة وتقشّف وشعور مع الفقير. يرفض الله صوم الذين "يعاملون بقسوة جميع عمّلهم" و "يضربون بلكمة الشر". أمّا "كسر الخبز للجائع" فانه يفرض الصوم والتضحية والتخلي عن شيء من خبزنا لنطعم الحياع. عندما تتم كل شروط العدل والرحمة يصح الصوم ويكمل (الايات 8 وتابع).
في تيموثاوس الاولى 4 : 1 وتابع ليست الكنيسة المقصودة عندما يفضح بولس الرسول اناسا يعلّمون تعاليم شيطانية يمنعون عن الزواج ويحرّمون تناول أطعمة خلقها الله. الكنيسة تقدّس الزواج ، وفي الكنيسة الشرقية تقبل رجالا متزوجين لدرجة الكهنوت. ولا تمنع عن أطعمة معيّنة الاّ لفترات محدودة. المقصود هم المانويون – وبعدهم سلك الغنوصيون طريقهم – الذين حسبوا الجسد الانساني رجسا فمنعوا الزواج والانجاب. ومن جهة المأكولات انتقد بولس الرسول لا الكنيسة بل اليهود والمهوّدين الذين يمنعون منعا باتا دائما بعض المأكولات بخلاف تعليمات السيد المسيح الذي قال :"ليس ما يدخل فم الانسان ينجّس الانسان".
الصّيام بالعدل
ما رجاه اشعيا النبي طلبه أيضا قداسة البابا بندكتوس (مبارك) السادس عشر في رسالة الصوم الاربعيني لهذه السنة ، بما أن السيد المسيح هو "برّ الله" أي عدله وحنانه. و"الصدقة" التي ترافق الصوم هي – حسب الاصل الكنعاني للفظة – عدالة وانصاف ، انها عون للذين ظلمهم البشر – أو حتّى ظلموا أنفسهم. ولكلمات الحبر الاعظم وقع نبويّ خصوصا في هذه السنة حيث تفاقم الظّلم ولا سيّما في الديار المقدّسة وهُدمت البيوت وطُردت العائلات وشُرّد الاطفال وصودرت الاراضي – وما تزال – وقُطعت اشجار الزيتون رمز السلام ، وذلك بشكل منهجي، ولا رادع. وما فات خليفة القديس بطرس أن يعبّر عن عميق حزنه لما يتعرّض له عدد من المسيحيين كبير في بعض البلاد ، حتّى في الشّرق الاوسط الذي نفخر به دوما من وحدتنا الوطنية واللحمة الاخوية.
ويحلو للمرء أن يرى أناسا أفاضل ، من رجال ونساء ، يحقّون الحق ويرفضون الظلم في كل أشكاله ، ولا يفرحون بالاكاذيب ولا يرضيهم تملّق المستضعفين . ويشيد المرء بنزاهة رؤسائنا الروحانيين الذين يقولون كلمة الحقّ ويقفون أمام كل ظلم واعتداء على الناس والمقدسات ويرفضون - كما يكتب بولس الرسول – اساليب الخداع – سائلين أن تنعم رعاياهم "بحياة وادعة مطمئنة بكل تقوى وكرامة". وينبّه أمير الرسل ورأسهم بطرس معشر الكهنة والاساقفة ألاّ يقبلوا الظلم – بما أن المحبة "تفرح بالحق ولا تفرح بالظلم" (عن قورنثوس الاولى 13 : 6)، فلا يمتثلون للظلم الاضافي الفكري الذي يفرض عليهم أن يمدحوا ظالما أو أن نتخلوا عن مظلوم ضعيف، وذلك سعيا منهم الى مكسب رخيص أو شعبية سطحية (عن بطرس الاولى 5 : 1 وتابع).
خاتمة
ان رؤية الحبر الاعظم ثاقبة ، مطابقة للنبي المقدسي اشعيا الذي نقل بأمانة الوحي المقدّس : لا صوم من غير عدالة ، ولا ديانة صالحة من غير حسن معاملة.