هذه الاية من الرسالة الاولى الى أهل قورنثوس (10 : 4) كتبها رسول الوثنيين بولس بالهام ربّاني مؤكّدا أن المسيح بصفته كلمة الله (عن يوحنا 1 : 1 ) كان بالروح مع العبرانيين التائهين في المفازة وذلك انطلاقا من حضوره الشامل السابق للتجسد (عن يوحنا 1 : 14 ، ثم رومية 9 : 5 ). ويبدو أن الاناء المختار بولس يقتبس من المصادر التلمودية وبالذات من "الاضافة" أو "التوسفتا". ويجدر بالقاريء اللبيب والساعي الى التمييز بين الجماعات الغربية أن يلحظ موقف نفر من مجموعات امريكية حديثة يحسبون " أن الاسفار اليونانية المسيحية (وبهذه العبارة الغريبة عن الكتاب المقدس يشيرون الى العهد الجديد) كانت اضافة (وكأنها "توسفتا" وملحق!) وتكملة موحى بها للاسفار العبرانية". هذا القول مخالف للكتاب المقدس الذي يرى في الانجيل الطاهر وسائر العهد الجديد كمال الالهام لا اضافة ولا ملحقا للعهد القديم (راجع الرسالة الى العبرانيين وكذلك 2 قور 3 : 6 – 15) الذي يدلّ على ميول عبرية واضحة للعيان ، يكون العهد القديم أرفع شأنا من العهد الجديد بارتفاع الاصل عن الاضافة وصُلب الكتاب عن الملحق!
تستند ال"توسفتا" الى قراءة معيّنة من سفر العدد 21 : 19 فهمها أناس بمعنى هدية ("متاناه") من الاودية حتى التلال. ونسب قوم من المفسّرين الى صلوات مريم أخت هارون نعمة الصخرة المروية أو البئر التابعة باستمرار للشعب العبري في التيه ("عاديات التوراة"فيلون المزيّف ، 1 ، 20 ، 8 ).
وهكذا في حين يورد الفكر التلمودي ذكر مريم أخت هارون (أيضا عن سوتا 12 أ – ب ) بنت عمران (عميرام)، يربط القديس بولس الحماية الالهية والماء الحي في الصحراء بشخصية السيد المسيح (وقد يرى أناس أيضا فضلا للسيدة العذراء يشبّهها بشقيقة موسى كليم الله).
لا مجال للخلط بين المسيح الصخرة في 1 قورنثوس والصخرة في متّى 16 : 18
كل نص يأتي في سياق لا يجوز سلخه عنه. واضح من كلمات بولس الرسول أن السيد المسيح الكلمة رافق الشعب العبري في البيداء ورواه ، بصفة المسيح صخرة روحانية (وبئرا تابعة للجمهور). ولا يخلو النص من صعوبة يتخطّاها العلم والرسوخ والنزاهة. وتقدر المسيحية – وهي بنت متمردة على خارجية الطقوس اليهودية وضيق آفاقها وعنجهية شعبها وتمسّكها بالرتب الخارجية الطقسية الى حدّ اهمال الجوهر- تقدر المسيحية أن ترفض التفسير "التوسفتي" لفضل مريم بنت عميرام (عمران) في شأن مياه "مارا". ولكن ايماننا المسيحي يؤكّد لنا حضور السيد المسيح وأنه هو الضخرة التي روت الظمأ ونقعت الغليل ورافقت شعبا ظلمه قوم فرعون واستعبدوه ، على ألاّ يظلم هو شعوبا أخرى ولا يحاول أن يستعبد أهلها "وقد ولدتهم أمّهاتهم أحرارا" كما أعلن الفاروق!
نص مختلف وسياق مختلف في متّى 16 : 18
يأتي السيد المسيح مع رسله أي حوارييه الى قيصرية فيليبس (بانياس) ويسألهم عن هويّة "ابن البشر". يجيبون :"قوم يقولون انه ايليا وآخرون انه ارميا أو أحد الانبياء". يوجّه يسوع سؤالا أكثر دقّة وبشكل مباشر :"وأنتم ماذا تقولون فيّ؟" أي عنّي. ويردّ سمعان كبير الحواريين :"أنت المسيح"! عندها يجيبه يسوع: "طوبى لك يا سمعان بن يونا اذ لا اللحم ولا الدم كشفا لك هذا ... وأنا أقول لك : أنت صخر وعلى هذا الصخر سأبني كنيستي". بمعنى : أنت قلت لي أنني المسيح وأنا بدوري أقول لك أنت بطرس أي صخر.
مهما يكن من أمر تفسير هذه الاية – مع انها جليّة كالشّمس لاولي الالباب والنيات المستقيمة – لا يمكن ولا بأي منطق ولا بأية أخلاقيات ربط هذا النص بالاولى الى القورنثيين 10 : 4 . الكلام هنا عن القرن الميلادي الاول وهناك عن القرن الثالث عشر قبل الميلاد . هنا الحديث عن المسيح ابن مريم تجسد كلمة الله في الزمان والمكان (وبالذات في قيصرية فيليبس) وهناك الحدث في عهد موسى وهارون (وشقيقتهما مريم). كيان المسيح هنا انساني طبيعي مادي منظور وفي الصحراء في عهد موسى حضور المسيح الكلمة مجازي معنوي غير منظور. فلا مقابلة ولا شبه.
بطرس هو الصخر في متّى 16 : 18
النص والسياق والمنطق تفرض أن سمعان بن يونا ذاته هو الصخر في هذا الموضع ، مما لا يناقض أن المسيح هو الصخرة في قورنثوس الاولى 10 : 4. فعلا ، كما أعلن سمعان ليسوع هويته كمسيح الله ، يعلن يسوع لسمعان عن هويته كصخر بشري للكنيسة. وواضح أن سمعان بطرس هو هو الصخر في النص الارامي الاصلي الذي يقدر المرء أن يبلغه بالمنطق وعن طريق النقل السرياني البسيط :"أنت كيفا وعال هادي كيفا ابنيه لعيدتي". ترد لفظة "كيفا" – وهي مذكّرة – مرّتين. صحيح ان النص اليوناني يقول :"أنت بتروس (أي صخر) وعلى هذه الصخرة (بترا) سأبني كنيستي" ، اذ كان محالا وغير منطقي أن يُدعى رجُل "بترا" ، في صيغة المؤنّث ، بل وجب نقل الاسم الارامي المذكّر "كيفا" بصيغة المذكّر "بتروس".
واذا قال قائل أن "الصخر " هنا هو المسيح فلا معنى للاية ولا تسلسل منطقيا فيها :"أنت بتروس وعلى هذه الصخرة (أي عليّ أنا يسوع) سأبني كنيستي" ، كقولك :"أنت سمير ومن هذا الكوب سوف أشرب!" ولكن عندما تقول :"أنت سمير وسنقضي ليلة سَمَر" فالرباط المنطقي وارد.
واذا كان يسوع نفسه – في هذا النص – هو الصخرة ، فلا معنى من تقديمه بطروس على نفسه ! لماذا "أنت بطرس" طالما أن بعدها يأتي الاعلان :"عليّ أنا يسوع سأبني كنيستي"؟
يبتعد آخرون عن النص المقدّس بقولهم أن "الصخر" هو ايمان بطرس. ولكن يسوع لا يمدح لبطرس ايمانا ولا جهدا ولا فضلا بل يهنئه على مكاشفة حظي بها ووحي هبط عليه فوافق بذلك الالهام الرباني :"طوبى لك لان لا اللحم ولا الدم كشفا لك هذا بل أبي الذي في السماوات" أي الطبيعة الالهية.
ويكفي أن السيد المسيح غيّر اسم أكبر رسله من "سمعان" الى "كيفا" (في اليونانية بتروس أو بطرس) للدلالة من غير شكّ على أن بطرس سمعان نفسه هو صخرة ، لان الاسم يعني الكيان والهوية بحيث يكون "اسمه على جسمه". نعم ، تغيير الاسم هو تغيير حياة ورسالة وهوية وكيان ، فابرام (أي الاب السامي) يصبح "ابراهام" أب "أب جمع كثير"، و"يعقوب" أي الذي يسبق يصبح "اسرايل" أي "مقاوم الله". والملحوظ ان سمعان بن يونا هو الوحيد بين الرسل الذي غيّر يسوع اسمه .أمّا ابنا زبدى يعقوب ويوحنا فما اعطى السيد المسيح أيا منهما اسما جديدا بل لقبا مشتركا "بوانرجس" أي "ابني الرعد" (أو ضجة الرعد).
واذا تساءل القاريء الحبيب : لماذا كل هذه النظريات ، فالجواب بسيط : ان التفريق بين "بطرس" والصخرة التي ينبني المسيح عليها الكنيسة انّما يهدف الى انكار الاولوية البابوية لبطرس وخلفائه "على كرسي روما العظيمة". ويذكر المرء أن الكنيسة البيزنطية الشقيقة ترى للحبر الاعظم الروماني "أولوية شرف" (عن مجمع القسطنطينية سنة 381 ، مادة 111) وقد لا تقبل أولوية سلطة ، بحيث أن الخلاف هنا اداري أكثر منه عقائدي.
ورب سائل يسأل : كيف يمكن أن يكون بطرس في نفس الوقت الصخرة للكنيسة و"شيطانا"؟ (في الايات التالية). بنعمة الوحي والمكاشفة يصبح سمعان بن يونا صخرا للكنيسة ، ولكن اذا تُرك لضعفه البشري ولافكاره البشرية الرافضة للصليب والالام فيصبح شيطانا أي خاطئا لا في العقيدة بل في التصرف وفي تفضيل الراحة على التعب والمجد الزائل على ذل الصليب. وقد يزيد المرء هنا أن أيّا من البابوات الذين ما تحلّوا بأسمى الاخلاق عبر التاريخ ما علّموا تعاليم ضلال. ضمن السيد المسيح صحة العقيدة وعصمتها ولم يضمن قداسة الافراد لانها متروكة لحرية كل منهم وضميره.
خاتمة
قد يجد أناس بعض هذه السطور عسيرا لكثرة التفسيرات. والاسهل على الادراك ضرورة أن تتغير قلوبنا من صخر الى قلوب لحم ، كما أعلنت العزة الالهية على لسان حزقيال النبي 11: 19. ليحطم الله صخر القلوب التي تهدم المنازل وتقطع الاشجار وتقتل الاطفال وتغتال العائلات بدم بارد وتحتقر المرأة وتمارس وأد البنات وتفرض العبودية على بنات حواء ! فلتتحطم أمام صخرة الحق والعدل قلوب الحكومات والشعوب الظالمة المستبدّة ولتذرف العيون الدموع السخينة على خيانتها أو جبنها كما بكى بطرس . وهكذا بالتوبة والندامة والاقرار بقساوتنا يلين الصخر ويذوب الشمع ويضيء الدرب وندنو نوعا ما من حنان الله ومن قلبه تعالى الكبير ، بما أن "الله محبّة"!